* مقدمة *
ينظر الآباء والمربون في العالم العربي إلي مرحلة الشباب بشيء من الاهتمام والانشغال يصل إلي حد القلق وذلك لما يواكبها وما تأتى به من مشكلات سواء بالنسبة للشباب او أهله أو المجتمع , هذا ويعتقد تعامل الشباب مع الكبار بعض التصرفات غير المسئولة من جانب الشباب وعدم اعتبار الاخرين واستعمال اسلوب في الحديث يصل إلي درجة الوقاحة أحيانا ولهجة لم يعتدها الكبار منهم , اما عن حالة القلق وعدم الاستقرار التي يحس بها قطاع كبير من الشباب فإن سببا من أسبابها هو وجود صراع حاد والذى يعانون منه بسبب التعارض – بل والتناقض – فيما يطلب إليهم تحمله من مسئوليات أو يتوقع منهم من التزامات من الأهل والمربين والأقران وغيرهم وكذلك إلي عدم كفاية ما يوفره المجتمع لهم من فرص الحياة .. غير أنه من أهم عوامل الإشكال في وضع جيل الشباب أننا كثيراََ ما نحكم علي قيمهم وتصرفاتهم لا بمعايير تتناسب مع مرحلة العمر التي يمرون بها , وإنما بالمعايير نفسها التي نستعملها في تقييم حياة الكبار(1)
ومن ناحية أخري فإن ظاهرة الازدواجية في التربية والمقصود بها الازدواجية في توجيه الابناء نحو الصواب من قبل الوالدين وما يتعارض ذلك مع سلوكيات الوالدين انفسهم .. فإن هذا بالتأكيد يشكل خطرا علي هؤلاء الشباب لأنهم يجدوا انفسهم مطالبين بكل ما هو مثالي بينما الآباء ليسوا كذلك وذلك وفقا للمقولة ( إذا اردت أن تطاع فأمر بالمستطاع).
* المفاهيم الرئيسية *
===========
أولاَ : التنشئة الاجتماعية أو التربية socialization :
--------------------------------
ينظر علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية إلي عملية التنشئة الإجتماعية داخل المجتمع بأنها عملية تدريب لهؤلاء الصغار الذين لم يصلوا بعد إلي مرحلة النضج , او بمعنى آخر انها تمثل عملية غرس المهارات لدى هؤلاء الأفراد الذين يمرون بمراحل التعليم في نطاق الثقافات المحلية من أجل التأهيل إلي أداء أو تقلد أدوار محددة,
وفي عملية التنشئة الاجتماعية يتعلم الفرد ضوابط السلوك والكف عن الاعمال التى لا يقبلها المجتمع , فالضبط الاجتماعي ضروري لحفظ الحياة الاجتماعية وضرورة لبقاء الانسان , كما تظهر اهمية التنشئة الاجتماعية في كونها تلعب دوراَ اساسياَ في تشكيل شخصية الفرد في المستقبل وفي تكوين الاتجاهات الاجتماعية لديه وفي ارساء دعائم شخصيته فالشخصية هي نتاج هذه الأساليب والدعائم الاولي للشخصية توضع في مرحلة الطفولة طبقاَ للأساليب التي يمارسها الوالدان علي الطفل في هذه المواقف ,
والتنشئة الاجتماعية تمثل أبرز جوانب التراث الثقافي للمجتمع لأنها تتضمن الأفكار والعادات التي تثبت صلاحيتها لتشكيل أفراد المجتمع وفق التقاليد السائدة فيه , فهي لا تسير بطريقة عشوائية وإنما تسير وفق معايير معينة ووظيفتها مساعدة الفرد علي تقبل الثقافة الخاصة بالمجتمع وتفاعله معها (2).
ويري "دور كايم " انه جدير بنا عند النظر للتربية كظاهرة اجتماعية أن نضع عنصرين في الاعتبار هما :
1- وجود جيلين في المجتمع الذى نتحدث عن التربية في محيطه جيل جيل يعلم وآخر يتعلم او جيل الكبار وجيل الصغار .
2- عنصر التفاعل او التأثير الناشئ من تدريب الجيل الأول للجيل الثانى حيث إن توافر عنصر التفاعل يعد عاملا هاما وحاسما في نقل الخبرات والمهالاات التى يود الكبار منحها أو غرسها للصغار. (3)
ولسنا نحن في حديث متخصص حول العولمة لكننا سوف نتناول بعض الجوانب التي يمكن أن يكون لها صلة بالتربية، ومنها:
أ- انفتاح الثقافة: حيث تفتحت بلادنا على كافة ثقافات دول العالم، والثقافة المسيطرة والرائدة اليوم هي الثقافات الغربية بكل ما فيها من مساوئ وسلبيات، سواء في ميدان الاعتقاد والدين، أو فيما يتعلق بالشهوات والإباحية.
ب - زوال الخصوصية : فالمجتمعات العربية لها خصوصية فهي مجتمعات محافظة، والسلوك الإسلامي فيها ظاهر، ولكن هذه الخصوصيات بدأ يتلاشى ويقل تدريجياً من خلال هذا الانفتاح الذي ستشهده البلاد كلها بل سيشهده العالم كله مع بداية عصر العولمة.
ج - التحديات الاقتصادية : الجانب الاقتصادي في العولمة جانب كبير، بل بعض الناس يعتبر قضية العولمة هي القضية الاقتصادية، وتتمثل هذه الآثار الاقتصادية في تضاءل فرص العمل؛ لأنها تعني الانفتاح وزوال الحواجز أمام الشركات والمؤسسات العالمية الكبرى، ولا شك أن خبرات أبناء المنطقة، بل أبناء دول العالم الإسلامي لا تقاس ولا تقارن مع خبرات تلك المجتمعات، فسيكونون في وضع تنافسي أقل مع الآخرين، ولن تكون هناك قيود على ما يتعلق بالتشغيل والعمل والتوظيف، ولا قيود على حركة التجارة والشركات.
د – نوعية الثقافة السائدة : تؤدي متغيرات العولمة إلى اتساع الثقافة على المستوى الأفقي، وسطحية الثقافة على المستوى الرأسي؛ فالعصر المقبل عصر وسائل الإعلام والانترنت، وستكون هذه هي مصادر الثقافة عند شريحة كبيرة من المجتمع، وهذه تغلب عليها العمومية والاتساع في المستوى الأفقي والسطحية في المستوى الرأسي، فهي ثقافة تغلب عليها العمومية، ثقافة تسيطر عليها التسلية والإثارة أكثر من الجانب الموضوعي العلمي، ثقافة تؤثر عليها الجوانب المادية والاقتصادية حيث تسخر وسائل ومصادر المعلومات لخدمة الشركات الكبرى وتسويق منتجاتها وأفكارها الاستهلاكية، ثقافة النمط السائد فيها هي الثقافة الغربية التي تخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال الغربية. وهذا أيضاً سيقلص المساحة المتاحة للقراءة والاطلاع؛ فهو سيولد لنا جيلاً عنده نوع من الاتساع في الثقافة لكنه جيل سطحي على المستوى الرأسي، جيل لا يقرأ، جيل يبهره التفكير المادي ويسيطر عليه.
هـ- تضاؤل دور الأسرة : ونحن اليوم أصبحنا في صراع مع الآخرين على أبنائنا، وصراع مع الآخرين على بناتنا. ( 4 )
ثانيَا : الازدواجية duplicity :
-------------------
ان الازدواجية هي ما يقع من الفرد من اطروحات وافكار تناقض افعاله وسلوكياته, وفي الواقع ان هذه الحالة لها نسبة متغيرة من فرد الى اخر,فهناك ازدواجية عميقة جداً عند البعض قد تصل الى مرحلة الثبوت الدائم في الشخصية,لذا يمكننا ان نصنفها بأنها مرضاً.اما حالات الازدواجية البسيطة والتي تراود الشخص من وقت الى اخر,فلا تجسد المرض بقدر ما هي اعراض مرتبطة بالوضع الخارجي,اي الاجتماعي, ونستطيع ان نطلق على هذا الحالة (الازدواجية بالاستعانة).
انه من غير الممكن تصور شخصاً يحمل الفكر الازدواجي بالفطرة فهذا الامر محال,بل ان القضية برمتها مرتبطة بالواقع الخارجي ابتداءاً بالتلقين الاسري او الاكتسابي.فاذا لقُن الطفل على استخدام الازدواجية كاسلوب ونمط ذاتي حينها تكون القضية متصلة بالنفس على نحو جوهري وتقوم مقام الصفات الاخرى التي تمثل الشخصية, ويكون من الصعب المُستصعب زوال هذه الحالة خصوصاً اذا لاقت الشخصية دعماً مادياً يلقي عليها بمفهوم الفائدة.فالاحساس بالفائدة من خلال هذا التوجه يجعل الازدواجية دائمية الثبوت في واقع النفس.
الا انه يجب الاشارة الى نقطة اهم وهي البحث عن الاداة التي من خلالها تتكون فكرة الازدواجية,او تكون الدافع لخلق هكذا توجهات.فالانسان بطبعه لايهتم الى اي موضوع دون الشعور بالتحفيز تجاهه,و مجتمعاتنا لها الحصة الاكبر في هذا المجال كونها تهتم وتسلط الضوء دائما تجاه المظاهر,لذا يضطر الشخص الى ان يتقمص ادواراً وذواتاً من اجل الوصول الى مبتغى معين او مظهر خاص.صحيح ان هذه الحالة التي يمكن ان ندعوها بالمرضية تساور الكثير من افراد المجتمعات الاخرى, وهي غير مختصة بمجتمع دون اخر, وليست قضية تورث من الاباء او المحيط الاجتماعي,لكنها تبرز بصورة واضحة في مجتمعاتنا نتيجة التركيز على المظاهر والابتعاد عن الجوهر.ويأتي هذا التركيز من خلال امرين مهمين هما الوضع الاقتصادي والدين.فكلما كان المجتمع يعاني من انخفاض في نسبة القدرة على المعيشة وتدبير شؤون الحياة كانت المظاهر هي الامر السائد داخل هذا المجتمع,اخص بذلك المجتمع الذي تتجلى فيه الطبقة المنسحقة والطبقة المتعالية.حيث ان الشخص الذي يعجز عن الوصول الى الطبقة الارقى شأناً يتجه بصورة او بأخرى الى خلق الازدواجية في ذاته من اجل تسيير حياته ضمن النطاق المتعالي,لدرجة ان بعضهم يصل الى مرحلة تصديق كل ما يسرد ويقول,وان كان كلامه مُرد الى الوهم والخيال.
وهذا الاتجاه هو من اعمق الاتجاهات النفسية المتصفة بالشذوذ,لسبب ان النفس تجد الراحة والسلوى في حال الركون الى هذا المجال,وقد يجده ملجأً يلوذ اليه في حال اليأس او لتخفيف الصدمات.اما الدين فيكون دوره دور القناع المُستغل من اجل نيل الثقة,او من اجل حسابات اجتماعية اخرى.وتلعب قضية الشعور بالنقص دوراً فعلياً في هذا الامر,حيث الاحساس بعدم الوجود والفائدة يبعث روح التفاخر بالذات بصورة خيالية ومفتعلة من خلال تحويلها الى شخصية دينية.وقد يظهر هذا الاتجاه بصورة متعددة اخفها وطأة الازدواجية بسبب الاخفاق في الحياة الاجتماعية اوعدم تحقيق الطموحات,وقد تكون هذه الاخيرة لاتحمل ملامح المرض بقدر ما يتجلى فيها العجز عن تأدية عمل معين وتقديم النصيحة للغير على تأديته.فقد يكون هناك شخصاً يتمنى ان يصل الى مرحلة الشجاعة او الكرم او الالتزام الاخلاقي فيجد نفسه عاجزاً عن ذلك,فيقوم بتقديم النصائح للاخرين على فعله والقيام به,وكأنه نوعاً من عمل الواجب لكن بصورة قد يطلق عليها اضعف الايمان.(5)
اذاَ يمكن تعريف الازدواجية علي " حالة نفسية يكون فيها للشخص صورتان مختلفتان : الصورة الواقعية التى يحيا بها والتى أوجدها لهالله ,والصورة الآخر غير الواقعية التى يختلقها لنفسه " (6)
ويرى (د/سيد عويس ) في كتابه ( الازدواجية في التراث الدينى المصري ) أن الازدواجية ظاهرة ليست منعزلة عن غيرها من ظواهر المجتمع وأنه يجب اعتبارها مثال يعكس بعض ما في الواقع الثقافي الحى في المجتمع المصري المعاصر فالملاحظ مثلا أن هذا المجتمع لم يتفق حتى الآن علي مفهوم " المواطن المصري الصالح" فهو مفهوم متغير , فالادوار الاجتماعية لكل مواطن صالح التى يتوقعها منه الآخرون متباينة أى أن نظرته نحو الحياة وعلاقاته الاجتماعية واتجاهاته وأسلوب تفكيره وآماله وألوان معاناته تختلف بالضرورة حسب المجتمع الذى يعيش فيه ,
ويضيف ( د/ سيد عويس) أن المجتمع المصري المعاصر منذ فترة غير قصيرة لا ينبض ضميره الجمعى بمعنى موحد لمفهوم المواطن المصري الصالح , وأن الواقع الحى يؤكد الاختلاف والتباين والتنافر السائد في مناخه الثقافي الاجتماعي بشأن هذا الموضوع الحيوى , ذلك لأن التناقض بين ما يقال وبين ما يعمل أصبح من السمات الأساسية لهذا المناخ , ومهما يكن من الامر فإن العبرة ليست الاتفاق علي معنى هذا المفهوم فحسب بل ان أكثر من ذلك أهمية هو الاتفاق علي الوسائل التى تحقق اعداد المواطنين المصريين الصالحين فالاختلاف علي هذه الوسائل في ضوء ظروف المجتمع المصري المعاصر هو السائد.(7)
ثالثاَ :الثقافة CULTURE :
-----------------------
الثقافة هي طريق الحياة التى يشترك فيها اعضاء المجتمع أو الجماعة وهى تكتسب من خلال اكتساب الاعضاء لعضوية المجتمع ومن خلال مشاركتهم في طريقة الحياة ويمكن أن يتم تعلم الثقافة من خلال التفاعل مع الآخرين وهى تحتوى علي جانبين : الجانب المادى مثل الاختراعات والانتاج ..إلخ,والجانب المعنوى كالمعتقدات والاتجاهات والقيم وقواعد السلوك وهى امثلة للجوانب المعنوية للثقافة (8)
والثقافة أسلوب حياة , يكتسبه الانسان مشاركا فيه أعضاء مجتمعه وهى نمط للسلوك يمارسه الانسان داخل مجتمعه وخارجه , والثقافة تشمل طرق الانتاج التى تتأثر بالظروف الطبيعية لكل مجتمع , فهى حصيلة للنشاط الانسانى عبر الاجيال لذا يطلق عليها أحيانا اسم ( البيئة المصنوعة) حيث يتسلم كل جيل عناصر من ثقافة الجيل الذى يسبقه ويحوّر فيها أو يضيف إليها أو يستبعد منها ويخرجها في بنيان جديد,
وجدير بالذكر أن لكل مجتمع ثقافة خاصة به , وليس بالوسع تصور مجتمع بلا ثقافة , حيث تتنوع المجتمعات يعنى تنوع الثقافات ما دامت الثقافة أسلوب حياة وهى تتغير سرعة وبطئاَ بتغير العصور داخل المجتمع الواحد ,حيث تختلف الثقافة بإختلاف الاجيال , وتختلف في مكوناتها وفي انتظام عناصرها ويكتسب الانسان ثقافة من مجتمعه , ولكنه لا يحمل كل ما في ذلك المجتمع من عناصر ثقافية ,
كما أن الثقافة تؤدى وظائف متعددة للأنسان بعضها اجتماعي حيث تدخله في اسلوب حياة الجماعة , وبعضها نفسي حيث تشبع ميوله وحاجاته , وبعضها عقلي حيث تجيب عن أسئلته وتساؤلاته عن البيئة والكون والحياة .. كل ذلك يوجب علينا أن نقدم لأطفالنا الثقافة المتنوعة بعناصرها المختلفة , وأن نقدمها لهم بالتدريج وفي ضوء قدراتهم ومتطالباتهم وحاجاتهم اذا ما اردنا شباب صالح .
إن ما يجب الالتفات إليه هنا هو سيطرة التكنولوجيا الفائقة علي الثقافة وما ينتج عنها من موجات من الانحلال الخلقي والتفكك الأسري والعنف والجريمة والادمان والتهرب من المسئولية بل والهروب من الحياة ذاتها بالانتحار.(9)
رابعاَ : مرحلة الشباب youth :
---------------------
تبدأ مرحلة الشباب YOUTH -أو المراهقة adolescence كما تسمي في بعض الكتابات – بتخطى مرحلة الحلم puberty – أو اكتمال النضج الجنسي وبلوغ القدرة علي التناسل وتيقظ الحاجة الجنسية , ويحدث ذلك عند سن الخامسة عشرة أو قبلها بقليل ..
وتغطى مرحلة الشباب مدة عشر سنوات تقريبا فتنتهى في سن الخامسة والعشرين أو ما حولها (11)
وتشهد بداية مرحلة الشباب اقتراب شكل الجسم ووظائفه من آخر درجات النضج , ومن الناحية النفسية يكاد عمر الفرد العقلي يصل إلي قمته ويتيقظ احساس الشخص بأنه لم يعد صغيرا ، ويطالب بتوقف معاملته علي أنه صغير , ومن الناحية الاجتماعية يتأكد اعتراف الآخرين بأن الشخص لم يعد طفلا , وإن كانوا يترددون في الاعتراف به كرجل وبداية الشباب هي بهذا نقطة تحول ..
ويفضل الوقوف بمرحلة الشباب عند سن الخامسة والعشرين أو ما حولها لن هذه هى السن التى تحدث عندها تحولات هامة في حياة الفرد فعندها يترك التعليم بعد استكماله عادة , ويلتحق بعمل دائم , ويتزوج , أو يسعى إلى تحقيق ذلك علي الاقل , فهو بعبارة اخري , يترك " فترة الطلب " ويبدأ حياة الراشدين adulthood حيث ينزل إلي معترك الحياة ويرتبط بعديد من المؤسسات التى يتعامل معها الراشدون ويتغير تبعا لذلك تصوره لذاته وللآخرين والمجتمع , واتجاهاته نحوهم , وسلوكه معهم (11)
# ويمكن تلخيص أهم سمات الشباب في النقاط التالية :
===================================
1- اهم ما يميز الشباب هو انصرافهم عن الاهتمام بالعلاقات مع افراد من جنسه ويتجه نحو العلاقات مع افراد من الجنس الاخر ويميل إلى تضييق نطاق علاقاته وتعميقها وتصبح هذه العلاقات مركز اهتمام خاص في حياتهم
2- يصبح الشباب في هذه المرحلة غير قادرين علي تفسير ما يطرا عليه من نمو ولا حتى التحكم فيه ويتحول من كيان يفهمه ويألفه ويستطيع السيطرة عليه غلي كيان غريب يثير حيرته وشكوكه
3-ويخلج الشباب أيضا انفعالات الخوف من الذات بعد أن أصبحت غير مألوفة لهم , وللأخرين وبخاصة الأباء نتيجة للخلاف معهم , والمستقبل الذى يبدو غامضا مليئاَ بالاحتمالات , وقد تبلغ هذه المخاوف حد الهموم أو القلق المعوق نتيجة لبعض نتيجة لبعض الخبرات غير الصحيحة ولفرط الحساسية
ويغلب علي الشباب تقلب الحالة المزاجية من الشعور الغامر بالسعادة والراحة إلي الاحساس بالانقباض وذلك لأنهم فريسة سهلة لأحلام اليقظة من جهة والمخاوف والقلق والغيرة والحسد من جهة اخري
5-لا يرتاحون إلي الخضوع إلي السلطة التى يجدونها مقيدة لحركتهم وكافةَ لإيجابيتهم وقد يصل هذا الشعور ببعضهم إلي حد عدم احترامها وربما تحديها صراحةَ (12)
** تساؤلات الدراسة **
---------------
- ما هى مظاهر الازدواجية التى تمارسها الاسر المصرية المختلفة في عملية التنشئة الاجتماعية ؟
- ما أثر ذلك علي قيم الشباب وثقافتهم ومعتقداتهم الخاصة ؟
- ماهى رؤية الشباب الي ذواتهم وما هى العوامل التى تؤثر علي ثقافتهم ؟
** التنشئة الاجتماعية بين النمط الثقافي المثالي والنمط الثقافى الواقعي :
=========================================
كان اول استخدام لمصطلح النمط الثقافي عندما نشرت " روث بندكت Ruth Bendedict " كتابها المشهور عن " أنماط الثقافة PATTERNS OF CULTURE" في عام 1934
ولقد عرفت الكتابات الانثروبولوجية المختلفة "النمط الثقافيculture pattern" بأنه نموذج من التفكير والعمل والاحساس يجده الفرد امامه معداََ اعداداَ سابقا لينسج علي منواله فهناك أشكال محددة للسلوك في كل مجتمع يجد الفرد نفسه ازاءها منقاداَ إلي أن ينسج علي منوالها ويعتادها الفرد بحيث تصبح وكأنها جزء منه ., ويقول كل من "توماس W.I.Thomas وزنانيكىF.Zaniniecki" في كتابهما "الفلاح البولندى" أن مجموع تلك النماذج أو الانماط هو الذى يكون الموقف ويشمل :
1- الشروط الموضوعة التى علي الفرد أو الجماعة أن يتصرفوا وفقا لها أى مجموعة القيم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية.
2- السلوك السابق للفرد والجماعة والجماعة والتصرفات السابقة لها مثل تلك الشروط وهى التصرفات التى يكون لها اثرها الحالي علي تصرفهم .
3- الشعور بهذه الانواع السابقة للتصرفات التى قاموا بها تحت تلك الشروط وفكرتهم وفكرتهم عنها وهى الفكرة التى تختلف وضوحها وغموضها عند تمثلهم لتلك الشروط.
هذا ويقسم النمط الثقافي الي: "نمط ثقافي مثاليideal p." وهو نمط يدل علي سلوك مثالي بمعنى ما يجب أن يكون من السلوك ,و "نمط ثقافي فعلي او واقعي actual p." وهو ما يحدث من السلوك إزاء الافعال المعينة ( 13 )
وعلي ذلك فإنه يمكن اخضاع عملية التنشئة الاجتماعية التي تمارسها الاسر المصرية في تربية ابناءها وفقا لهذه القاعدة .. فالمجتمع الاسلامى بصفة عامة يلزم الاسرة وخاصة الاب والام ويفرض عليها حسن تربية وتنشئة ابناءها بحيث يشبوا رجالا ونساءاَ صالحين . ولكن المربين انفسهم ولا سيما الآباء أيضا يقعون في اخطاء فالكمال لله وحده وليس هناك بشر معصوم من الخطأ ولا شك انه عند تعدد وتكرار هذه الأخطاء من قبل الآباء امام أبناءهم فأن هذا يقلل من الدو رالذي تلعبه هذه الاسرة في الضبط الاجتماعي لان الابن لم يجد في ابويه القدوة التى تعينه علي اجتناب الخطأ
وكما ذكرنا من ذى قبل ان مفهوم المواطن الصالح لم يتفق عليه المجتمع المصري حتي الآن والذى قد يكون مرجعه تلك التغيرات العولمية – اي التي تبعت ظهور العولمة – والتي تسببت في خلخلة الثقافة الاسلامية وعملت علي اضطراب واضمحلال هويتة مجتماعتنا العربية ..فإن ذلك ولا شك قد اثر علي بناء الاسرة وتماسكها كما شكل ايضا وفي الوقت ذاته اخطر التهديدات اداء هذه الاسرة العربية في عملية التنشئة الاجتماعية حيث اصبح الاب والام مطالبين بمواكبة متطلبات العصر التكنولوجية من ناحية ومن ناحية اخري فإن هناك رغبة حقيقية تسيطر عليهم من اجل اشباع فضولهم وشغفهم عن تلك الوسائل التكنولوجية المستحدثة ,, وما بين المشاهدة تارة والتجريب تارة أخري يجد الابناء انفسهم امام سلوكيات وافعال من ابويهم غير تلك التى طالما انشأوا عليها .. فيتخبط الشاب ما بين الحلال والحرام ومابين السوى والشاذ ..
** منهج رؤي العالم وثقافة الشباب **
-----------------------
يستخدم منهج "رؤي العالم world view "في دراسة مجموعة الأفكار التي يعتنقها أحد أفراد المجتمع عن ذاته هو وعن الآخرين وعن العالم الذي يعيش فيه مما يعني تحديد هذه الأفكار داخل الثقافة ذاتها وليس من خارجها كما هو الشأن في الدراسات الاثنوجرافية والأنثروبولوجية التقليدية.وبتعبير آخر أبسط فإن مفهوم "رؤية العالم" هي الطريقة التي ينظر بها شخص ما أو شعب ما الي الكون ككل والتي يرون من خلالها هذا الكون ,
§ ومن هنا كانت بحوث رؤى العالم تدور في معظمها حول محورين أساسيين هما :-
المحور الأول : هو ادراك الذات ( self) لذاتهابكل مقوماتها الفيزيقية والذهنية والعاطفية والانفعالية، وعلاقتها بالآخرين من أعضاء الجماعة التي ينتمي إليها الشخص أو الذات وتحديد أوجه الشبه والإختلاف بينه وبين الآخرين من ناحية، وبين الآخرين بعضهم البعض من ناحية أخرى، وأسباب هذه التشابهات أو الإختلافات من وجهة نظره هو ( وليس من وجهة نظر الباحث).
المحور الثاني : هو نظرة الشخص أو الذات موضوع الدراسة إلي نفسه من حيث هو جزء من الطبيعة مع إحساسه في الوقت نفسه بأنه يؤلف كيانا متميزا وقائما بذاته وخارجا عن هذه الطبيعة، وإن كان ذلك لا يمنع أن تكون له اهتمامات معينة وأفكار وآراء خاصة عنها وعن مظاهرها ومكوناتها ، وأساليب محددة للتعبير عن هذه الآراء والأفكار والتصورات وتفسيرات لهذه المظاهر والظواهر الطبيعية والكونية قد تتفق مع الحقائق العلمية أو تختلف عنها اختلافا جذريا.,
ومفهوم "رؤى العالم" أو النظرة ألي العالم مفهوم أنثروبولوجى أصيل، وكل الدراسات حول رؤى العالم في أي مجتمع من المجتمعات التى درست من هذا المنطلق هي دراسات أنثروبولوجية تعتمد على مناهج البحث الأنثروبولوجيى وأساليبه وتقاليده التي تطلب الإقامة الطويلة في المجتمع موضوع الدراسة ،والاتصال الوثيق القائم على خلق علاقات حميمة مع الشخص أو الأشخاص الذين يركز الباحث عليهم بقصد الوصول في آخر الأمر إلي أنماط التفكير و القيم السائدة بين الناس في ذلك المجتمع , (14)
ويتضح مما سبق أن منهج رؤي العالم world view يعنى كل النظرة الداخلية لأية جماعة ثقافية وأن هذه الدراسات دراسات كلية holistic تهدف إلي الإحاطة بكل أبعاد العالم ولكن من وجهة نظر الشخص أو الذات وليس من وجهة نظر الباحث كما أن معظم دراسات رؤية العالم تدور حول شخص واحد او حول عدد محدد من الاشخاص الذين ينتمون إلي الجماعة التى يقوم بدراستها كمان وأن الدراسات الخاصة ب"رؤي العالم" تهتم التركيز عليها لمعرفة الأحداث التى تدور حوله كما تهتم أيضاَ بنظرته إلي الآخر.. وأن المعلومات التى يتم جمعها من الشخص أو من مجموعة الأشخاص القليلة العدد تعبر تعبيراّ وافيا عن نظرة الجماعة كلها
ولعل أهم ما ينبغي ان تهتم به دراسات رؤي العالم من موضوعات ومبادئ هي
· أنماط التفكير والقواعد والمبادئ الذهنية التى يصدر عنها الشخص
· الاهتمام بالمبادئ المجردة التى تحكم السلوك وانساق القيم التى توجه الشخص في علاقاته واختياراته
· نظرة الشخص الي الذات وإلي الناس او الاخرين وتقويمه لهم
· النظرة المستقبلية لدى الشخص علي اعتبار ان المستقبل هو امتداد للماضي وانه الواقع الذى لم يتحقق بعد.(15)
* ومن هذا المنطلق كانت هذه الدراسة حيث كان الهدف من اجراءها هو الوصول إلي فهم عميق لرؤية فئة عمرية محددة وهى الشباب لواقعهم الذي يعيشونه وما هى مخاوفهم والدوافع التى تحركهم من أجل الامتثال الي طريقة معينة في الحياة أو الثقافة بعبارة اخري ..
*ولذلك تم اختيار عدد من الشباب من الجنسين (حوالي 60 شاب وفتاة ) ليمثلوا المجموع الكلي لذويهم و قد كانت عينة الدراسة من فئة الشباب الجامعى وحملة الشهادات العليا من المعاهد والكليات المختلفة التابعة لجامعة الأسكندريةمثل: ( التجارة بفرعيها العربي والانجليزى– الآداب – الحقوق – الصيدلة – الطب – التربية – الهندسة – رياض اطفال- الخدمة الاجتماعية - المعهد العالي للحاسب الآلي بأبي قير – المعهد العالي للسياحة والفنادق كينج مريوط ) والجدير أن يُذكر أن الغالبية العظمى من أسر هؤلاء الشباب أسر مستقرة ويتواجد فيها الأب والأم ( أي لا يوجد حالات طلاق أو ترمل ).
* وقد اعتمدت اكثر ما اعتمدت من طرق البحث الانثروبولوجي علي إجراء المقابلات( الفردية منها والجماعية/ أيضاَ) مع هؤلاء الشباب والاستعانة ببعض التساؤلات التى صممت دليل المقابلة معهم وتسجيل البيانات والمعلومات التي ادلى بها الشباب .. وكانت البداية مع هؤلاء الشباب أن قمت بتعريفهم بالهدف من هذه الدراسة مع العلم بأن معظم هؤلا الشباب تربطنى بهم علاقات اجتماعية متعددة ما بين الصداقة والزمالة والمعرفة العابرة المتكررة ثم استطلعت آرائهم واتجاهاتهم حول الانماط المختلفة التى اتبعتها أسرهم المختلفة في تنشئتهم ومدى ملاحظتهم لموضوع الدراسة عن مظاهر الازدواجية التى يمارسها الوالدان في توجيههم ..
*وقد آثرت أثناء إجراء الدراسة الميدانية مع الشباب أن أرصد أهم المصطلحات اللغوية الشبابية والتى يتم تداولها بكثرة من جانب الشباب وتفسير معانى هذه المصطلحات أيضا في ضوء وجهة نظر الشباب ورؤيتهم الخاصة وذلك باعتبار أن اللغة هى مفتاح المجتمع ومدخل لدراسة وتفسيرالثقافة ولذلك فإننى قد اعتمدت علي المنهج الوصفي التحليلي لرصد هذه المصطلحات الشبابية فهو المقدمة الضرورية في كل دراسة انثروبولوجية للثقافة او المجتمع موضوع الدراسة حين يتجه اهتمام الباحث كليةَ إلي دراسة سمات الثقافة وتحليل عناصرها دون نظر إلي آية ثقافات أخري ., وبناء علي ذلك فقد اعتمدت علي ادوات المنهج الاثنوجرافي في جمع وتحليل هذه المصطلحات في ضوء نسق المعتقدات او الثقافة التي يجتمع عليها هؤلاء الشباب ..وهذه الطرق والادوات تتمثل في :
· Overhearing : حيث تم استخدام هذه الطريق في جمع المصطلحات الشبابية وذلك في المحاثات العابرة عبر وسائل المواصلات المختلفة, وكذلك في الاندية والجامعة والاماكن العامة والمفتوحة ,وكذلك زيارة مختلف المواقع الالكترونية والمنتديات التى يرتادها الشباب ومواقع facebook بمختلف جروباته , واخيرا فقد ساعدتنى كثيرا َ بعض الاعمال الدرامية التليفزيونية ( مثل مسلسل العمة نور: بطولة نبيلة عبيد) والسينمائية (مثل فيلم اتش دبور: احمد مكي)ما بين ا والبرامج ( مثل برنامج شباب بيك : قناة دريم 1) وغيرها .. وجميعها اعتبرت الشباب ومشاكلهم محوراَ هاما في تشكيل موضوعاتها ..
· وأخيراّ ساعدتنى كثيراَ "المقابلات interviews" التى اجريتها علي عينة الشباب المختارة في رصد عدد من المصطلحات والاستفسار عن بعض معانيها .
**** مظاهرالازدواجية في التربية التى تمارسها الأسر المصرية من خلال الدراسة الميدانية ****
=======================================
** إن كثير من الأسر المصرية البسيطة تهتم بتنشأة أبناءها التنشئة الملتزمة التى تعتمد وتستند إلي القيم الاسلامية الرفيعة وعلي اخلاق أفضل الخلق سيدنا " محمد " صلي الله عليه وسلم .. وهذه الاخلاق والقيم تتمثل في ( الصدق ونبذ الكذب – احترام الكبير وطاعة الوالدين واولي الأمرمن المعلمين والاقارب – الامانة وعدم الغش – التعاون علي الخير وحبه- عدم السرقة والخيانة – النظافة – الوفاء بالعهود -....وغيرها) ولكن للأسف أقر الكثير من الشباب انه ليس هناك احد في الاسرة مطالب بأن يلتزم ويتعلم هذه القيم إلا الأبناء وحدهم .. وانهم كثيراَ ما يسمعون مبررات واهية من والديهم في ذلك فهم الكبار ولا يجوز للصغار تقليدهم مهما عملوا .. وكأن هذه القيم أصبحت واجبات أو شعارات لاهية يفتخر الابوان بممارستها علي أبناءهم .. ومن مظاهر هذه التناقضات التى ذكرها الشباب :
· توجيه الاب والام لحسن استغلال وتقدير قيمة الوقت( النمط المثالي) وفي الوقت نفسه هم لا يحسنون ادارة اوقاتهم فالام تقضي دوما وقت فراغها ( وفي احيان اخري معظم وقتها ) بمشاهدة المسلسلات التليفزيونية والحديث في التليفون مع الصديقات , وكذلك الاب فهو يفضل الجلوس مع اصدقاؤه ومقابلتهم في النوادى او المقاهى (النمط الواقعي).
· تدريب الطفل علي ضرورة تحري الصدق وعدم الكذب (النمط المثالي) في حين ان الابوان قد يكونا في الاساس يكذبون سواء علي بعضهم البعض او علي الآخرين (النمط الواقعي).
· "من غشنا فليس منا " مقولة يرددها التربيون بكثرة(النمط المثالي) ولكنهم لا يعرفون معنى الالتزام بها بل الاقتناع بها فالام مثلا عندما تلاحظ تكرار اخفاق ابنها في النجاح سريعا تنصحه بالغش من اصدقاؤه حتى ينجح ولا تتحرج من ذلك ( والازدواجية هنا ازدواجية في التوجيه ايضا) (النمط الواقعي).
· إن تعاليم ديننا الاسلامى نهتنا عن الكبائر من الزنا ويظل الاب والام ينشأوا اطفالهم علي ذلك(النمط المثالي) الا انه في الاونة الاخيرة ومع ظهور الفضائيات الاباحية ومع سهولة تداولها في الاوساط الشعبية من خلال (الوصلات) فان الاب قد يلجأ الي مشاهدتها علي الرغم من انه ينهي ابنه عنها .. (النمط الواقعي).
· وكذلك الامر في تناول المخدرات فإن الاب والام ينهان ابناءهم من تناول المخدرات ويحذرانهما منها ومن اضرارها ومن حرمانيتها(النمط المثالي) وفي احيان يمارسا انواعا من الحرمان العاطفي علي ابناءهم حتى يحذروهم منها ومع ذلك نجد احد من الاب او الام او كلاهما مدخن ليس فقط السجائر العادية بل والتى يوضع بها نوع من المخدرات ( الحشيش ) وكأن ذلك ليست من هذه الموبقات (النمط الواقعي)..
· تقول احد الفتيات " ان امى تحاسبنى علي كل كلام حديثي وتنبهنى بما لائق في الحديث وما هو غير لائق وتحذرنى كثيرا من استخدام الشتائم علي الرغم من انها تستخدم هذه الشتائم في تعاملاتها " و(النمط المثالي) هنا يتمثل في توجيه الابناء الي حسن انتقاء الالفاظ والكلمات المهذبة بينما(النمط الواقعي)وهو عدم قيامهم هم الاباء انفسهك بهذا في شتى المعاملات الاجتماعية.
* ووفقا لهذه التعارضات التى يقابلها الابناء في والديهم فإنهم ولا شك يجدوا انفسهم تائهين ما بين ما يجب ان يفعلوه ويسلكوه من افعال وما يحدث في الواقع في عالم الكبار الذي اصبحوا ينتموا اليه رغم انف الكبار انفسهم , فأصبحوا مذبذبين مترددين بين الالتزام تارة والتسيّب تارة اخرى .. احد الشباب يقول في ذلك ( احيانا لا اعرف الحلال من الحرام فكل الاشياء مباحة وغير مباحة في اسرتى ..." وكله عادى " علي حد تعبيره).
* ومن ناحية اخري فإن الأبوان عندما يكتشفا هذا التأرجح القيمى -وغالبا ما يكون ترقب أكثر منه اكتشاف- فإنهم يتهمون ابناؤهم بالأنسياق والانصياع وراء هذه الموجات المنحلة التى تتمثل في اصدقائهم وذويهم ..مما يعرضهم الي النهر والاستهجان بل وبعض اسايب العقاب البدنى في فترة الطفولة وفترات المراهقة المبكرة , اما بالنسبة لشاب الجامعة فالغالبية من عينة البحث اقرت أن الوالدين اصبحا لا يقويان – والبعض قال انهما لا يهتمان-باتخاذ اي نوع من اسايب العقاب أو التقويم وانما يتحول الأمر برمته إلي مشادات ومشاحنا كلامية تصل في احيان كثيرة إلي الشجار .. وهذا بالطبع ينتج عنها فجوة وفقر في التواصل بين الآباء والأبناء .. وقد قرر بعض الشباب أن هذة المشاحنات تحدث بإستمرار وعلي فترات متقاربة وقد تكون احياناَ لأسباب متكررة..
* وبذلك نستطيع أن نقول أن العلاقات بين الأباء وأباءهم ليست علي درجة كبيرة من الاستقرار بين معظم عينات البحث وان بعض الشباب علي الرغم من هذه التناقضات التى يرونها في شخصيات آباءهم الا انهم يلتمسون لهم الاعذار لأن الجميع يخطأ وان علاقتهم مع آباءهم مستقرة وهادئة ويحفّها الصداقة وعلاقات الاحترام المتبادل ..
* ثم إن معظم الشباب يرون أنهم لا يشبهون والديهم مطلقاَ فالآباء لهم أسلوبهم وطريقتهم في الحياة غير تلك التى يعيش بها الشباب ومن الممكن أن يتضح ذلك أيضا في أحد وكلا المظهرين التالين ألا وهما اللغة أوالمصطلحات التى يتحدث بها كل من الآباء والأمهات , و الأزياء التى يتبعها كل منهم .. غير أن البعض أقر بوجود تشابع بينه وبين أحد والديه في أحد الطبائع والتى ذُكر منها علي سبيل المثال ( العناد – الانطوائية – الأنبساطية – التسرع في الحكم علي الأمور – الاعتراف بالأخطاء - المبادرة والشجاعة – السلبية – الايجابية – الثقة بالنفس – التعصّب - ....وغيرها)
* أما عن لغة الحوار والتواصل بين الآباء والأبناء فقد أشار البعض أنها موجودة ولكن تتأرجح بين الوجود والعدم تبعاَ لظروف العائلة واستقرارها , كما أشار البعض بضعفها بل وانعدامها أحياناَ , وذكرت أحد الفتيات أنها قد استخدمت بعض المصطلحات أمام والدتها مثل لفظة "قشطة" وما كان رد فعل الأم إلا أن نهرتها وأتهمتها بالانحدار الأخلاقي ولذلك قررت الفتاة أن تحذر من تلك المصطلحات أمام والدتها حتى لا تتعرض لمثل هذا الموقف مرة أخري .. ولكن في الوقت نفسه أقر الكثير بأن اللغة التى يتحدثوا بها اصبحت معتادة لدى آبائهم ولكنهم في النهاية لا يستخدمونها معهم بكثرة مما يجعل العلاقة بينهم رسمية بعض الشيء..
* وعن القدوة الصالحة فإن معظم الشباب يضحكون عند سماع هذه الكلمة وكان ذلك ( موضة قديمة علي حد تعبيرهك ) وقد ذكر أحد الشباب أننا لا يجب أن نتخذ أي من البشر قدوة إلا رسول الله محمد سيد الخلق لأن بنى آدم خطّائين ولذلك يجب إلا نرهق أبوينا بإتخاذهم قدوة لنا , وفي الحقيقة فإن الغالبية العظمى من الشباب لم تدرك المعنى الحقيقي وراء كلمة " قدوة " أو نموذج صالح" كما لاحظ البعض التناقض والازدواجية التى وصفها بعضخم ب" المرضية" والتى تتسم بها شخصيات آبائهم فالأقوال تنافي الأفعال فالأب يري أن الكسب يجب أن يكون خلال ولكنه مستعد لأن يتقبل رشوة في سبيل دخل زائد.
* ونظراَ لأن معظم الشباب يرون أنهم مختلفون عن والديهم لذلك فهم يرون أنهم لن يُقبلوا علي أن يربوا أبناءهم بطريقة أبويهم التقليدية فهي أصبحت لا تلائم العصر الذى يحتاج قدر أكبر من الحرية والديموقراطية .. فكل جيل يجب أن يكون أكثر ذكاءَ وعلماَ من الجيل الذي يسبقه فالعلم في تطرو مستمر , وقد اتفقت الغالبية علي أنهم سيتعلمون من أخطاء آباءهم معهم وأنهم سيحرصون علي تفاديها مع أبناءهم وهذا في حد ذاته جزء من نظرتهم للمستقبل فهو سيكون أفضل .. ولكن من ناحية أخري فإن الخوف والقلق وعدم المعرفة كانت هي المشاعر التى سيطرت علي بعض الشباب , والبعض الآخر رآي ان النجاح وتحقيق الطموحات سيحتاج الي الكثير من تحمل الجهد والمشقة وهذا بلا شك سيؤثر علي المجتمع المصري ككل وبعد أن اصبح الجميع يتحدث بلغة المال والاقتصاد فإن النظرة إلي المستقبل اصبحت أكثر صعوبة.
*** واقع الشباب المصري ( ثقافته ..ولغته) ***
==============================
*يتسم الشباب دوما برفض القديم والتمرد عليه ومحاولة التخلص من كل ما له صلة به , كما انهم يسعون الي التحرر من النظام الاجتماعي القائم , والحصول علي اعتراف المجتمع باستقلالتهم .. وينبع تمردهم هذا بشكل رئيسي من الخصائص السيكولوجية والسلوكية للمرحلة العمرية التى يمرون بها , وما يتوافر لديهم في هذه المرحلة من قوة واندفاع ونزوعهم إلي الخيال والمثالية مع رفض الواقع , والسعي إلي ايجاد إطار أو نظام حياة جديد ومغاير لما هو قائم في مجتمع الكبار ولعل أبرز وأُولي صور هذا التمرد تتمثل في رفض الشباب لتوجيهات الوالدين ..
*ويعتبر تمرد الشباب من أهم العوامل الدافعة لتشكيل ثقافة مستقلة لهم والتى تدفعهم إلي تكوين ثقافة مستقلة عن ثقافة المجتمع التى في رأيهم نابعة من الكبار في الأساس , وانها اصبحت بالية ولا تصلح للجيل الجديد ,
*وثقافة الشباب بهذا المعنى تحدث نوع من الانفصام والتباعد بين الشباب من جهة والمجتمع من جهة اخري ..وهى ثقافة تعبر عن تحد سافر للقيم والمعايير التى يعتبرها المجتمع أساساَ للنظام القائم ووفقا للعديد من الدراسات فإن أكثر المجتمعات قابلية لبروز ثقافة للشباب بهذا المعنى هى تلك المجتمعات التى تمر بمرحلة تغير سريع بما لا يسمح بتوافر أرضية مشتركة بين الشباب والكبار حول القيم والقواعد السائدة في المجتمع , وهذه الظروف متوافرة في المجتمع المصري حيث أن احتمالات توالد مثل هذه الثقافات الجديدة تتزايد في ظل ظروف الانفتاح التى يشهدها العالم المعاصر واختفاء ما كان يسمى بالحدود بين الدول والمجتمعات التى فتحت ابوابها علي مصراعيها واصبح العالم بأكمله وكأنه جسم واحد ينبض كل جزء فيه بضربات قلب الآخر , هذا كله بفعل التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما خلفته من أدوات ساعدت علي سيولة المعلومة وتمكين مواطنى العالم أجمع من التواصل المباشر والآنى .
*ولقد شهدنا في السنوات الأخيرة طفرات استثنائية في قدرة التكنولوجيا الحديثة على جعل المعلومات تتدفق بسرعة هائلة بما لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية ؛ حيث القنوات الفضائية وما تبثه من أفكار وثقافات للشعوب المختلفة ، كما أن شبكة الإنترنت العالمية جعلت الوصول للمعلومات والمعرفة لا يحتاج لأكثر من لمسة زر، وما يستتبع ذلك من الاطلاع على ثقافات ومعلومات وعادات وسلوكيات جديدة لم يعرفها شبابنا من قبل ، إن هذا العصر -بحق-. هو عصر الإعلام والاتصال. والكمبيوتر والإنترنت والقنوات الفضائية ما هي إلا أدوات للعولمة التي تبشر بها الحضارة المادية في القرن الواحد والعشرين. وجيل الشباب هو الأكثر تفاعلاً مع هذه الأدوات وتأثراً بها ، ولا يستطيع أحد أن ينكر تأثيرها على الأجيال الشابة .
وبالفعل نحن نلاحظ تغيرات كثيرة يعيشها شبابنا بفعل التفاعل والتواصل مع أدوات العولمة وما تبثه من أفكار وقيم وعادات جديدة. هذا التحول الذي فرضه تطور التكنولوجيا عالية التقنية قد أثر في نظرة الشباب للمستقبل. وهو ما يجب أن يؤثر أيضا في تعاطي القادة وأهل العلم والفكر مع جيل الشباب ؛ حيث يجب أخذ المتغيرات الجديدة في بلورة رؤية جديدة للتعامل مع الشباب. وإلا فسيكون الفشل حليف أية رؤية مرتكزة على فكر وأدوات الماضي، إذ لايمكن التعامل مع جيل الشباب إلا بأدوات الحاضر وبثقافة حية وفاعلة، وبرؤية دينية تؤصل لقضايا العصر، وتجيب على تساؤلاته.
*وقد لعبت التكنولوجيا دوراَ هاما في ذلك بما انها تستخدم في جميع المجالات والانشطة الحياتية , وقد تمثل هذا التأثير :
-أولا: في ادخال عبارات غريبة علي اللغة مستقاة من المفردات التقنية .
- ثانيا: في اختصار التعبيرات والجمل توفيرا للوقت .
وكما هو معلوم أن هذا الشباب يعانى من مشاكل اجتماعية ونفسية متعددة , ابتداء من الاحساس بالاضطهاد والامبالاة والعزلة والقلق الذى يكتنف المستقبل وصولا الي البطالة والفراغ , فإن هذه الامور تؤهله إلي الانغماس في سلوكيات "منحرفة" لعل أبرزها السلوك اللغوى فيبتدع الشباب لغة خاصة بهم وتكون هذه اللغة بمثابة القناع الذى يلبسه الشباب في مواجهة نفسه والآخرين .. وهو يرمز إلي طبيعته الخفية أو إلي طبيعة الموضوع المرغوب التحدث فيه (16).
ولهذا فقد ادرجت ملحق بنهاية هذا البحث فيه اهم واكثر المصطلحات شيوعا واستخداما بين اوساط الشباب المختلفة.
*** الخاتمة ونتائج الدراسة الميدانية ***
===========================
1- إننا لايمكن أن ننكر أن الهدف الشامل من وراء الجهود التربوية الحثيثة التى يبذلها الأبوان هو إعداد الطفل ليحيا حياة طيبة تليق بالإنسان المسلم ولن يحيا تلك الحياة الطيبة الا اذا كان صالحا في خلقه وسلوكه وعلاقاته والإ إذا كان ناجحا في اعماله التى يثبت من خلالها ذاته , ويكسب منها رزقه ولهذا يلجأ الي الابوان بدافع حب أبناءهم وحرصهم عليهم بأن يوجهوهم الي أمثل الطرق في اداء كل شيء ( النمط الثقافي المثالي ) وحتى اذا كان ذلك يتعارض مع ما يسلكونهم (النمط الثقافي الواقعي) هم انفسهم في مختلف دروب الحياة.
2- لقد انتشرت أكثر من لغة عامية بين الشباب في مصر كل منها له مصدره , وله علاقة مباشرة بالبيئة التى نشأ فيها أصحابها وإن كانت هناك سمات وخصائص مشتركة بين هذه اللغات وبعضها البعض , فكل من هذه اللغات ترتفع فيها نبرة السخرية في مصطلحلتها وتعبيراتها , كما أنها تظهر في كثير من مصطلحاتها روح اليأس والامبالاة الناتجة عن الظروف المحيطة بالشباب ..وأنها نابعة ومعبرة عن صفات الشخصية المصرية التى تغيرت كثيرا في الفترة الاخيرة من الكرامة والعزة إلي "الحداقة والفهلوة" والتى قد يكون مرجعها بشكل او بآخر الي هذه التحولات التى شهدتها الاسر وما ينبغي أن تمارسه من دور في عملية التنشئة الاجتماعية
3- هكذا نجد أن الشباب –بطبيعة المرحلة العمرية التى يمرون بها – وجدوا ضالتهم في مرحلة التحرر والانفتاح التى يشهدها العالم حالياَ , والذى يزخر بالتنوع الثقافي الذى يرضي جميع الاذواق , وقد استغل جيل الشباب هذه الظروف في خلق وابتداع لون جديد من الثقافة تميزهم عن غيرهم وتسعي لوضع حدود فاصلة بينهم وبين جيل الكبار , والتأكيد علي أن الشباب قادرون علي الاعتماد علي ذواتهم وتطوير أدواتهم وأن كل من يرغب في التعامل معهم فعليه أولا فهم هذه الادوات الجديدة..
4- وفي النهاية تجدر الاشارة إلي أن هذه المصطلحات لا ترقي إلي أن تكون لغة مستقلة بذاتها لإلا أنها بجانب تعبيرها عن سمات الحقبة المعاصرة والقيم والقناعات السائدة لدى المجتمع المصري بشكل عام وجيل الشباب بوجه خاص والسلبيات التى يعانى منها المجتمع المصري فهي تعنى استغناء الشباب بمصطلحاتهم المستحدثة عن فلسفة ولغة أبائهم وأنه قد صاغ لنفسه فلسفة جديدة توائم عصره وظروفه .
** قائمة المراجع العلمية :
==============
1- د/ عزت حجازى , الشباب العربي ومشكلاته ., المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب "عالم المعرفة" : الكويت -1985-ص7
2- د/ السيد عبد القادر شريف . التنشئة الاجتماعية للطفل العربي في عصر العولمة , دار الفكر العربي: القاهرة- 2002- ص 10.
3-د/ محمد يسري دعبس . التربية والمجتمع " دراسة في أنثروبولوجيا التربية" . دار ام القري للنشر : الأسكندرية – 1996- ص 13.
5- جنبلاط الغرابي : مبحث حول الازدواجية الشخصية , الحوار المتمدن - العدد: 2642 - 2009 / 5 / 10من موقع: www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=171405
6-د/ سيد عويس , الازدواجية في التراث الدينى المصري ( دراسة ثقافية احتماعية تاريخية ) ., دار الوقف العربي للصحافة والنشر والتوزيع : القاهرة -2003- ص9.
7-المرجع السابق , ص 11.
8- د/ فاروق أحمد مصطفي ز الأنثروبولوجيا الثقافية , دار المعارف الجامعية : الأسكندرية -2005- ص 47.
9- د/ حسن شحاته ز مستقبل ثقافة الطفل العربي " رصيد الواقع ورؤي الغد" , الدار المصرية البنانية -2008- ص 55 وما بعدها .
10-د/عزت حجازي , مرجع سابق ,ص33 .
11-المرجع السابق ص 13 .
12- نفس المرجع السابق,بتصرف من ص 42 إلي ص 47
13- د/فاروق أحمد مصطفي , مرجع سابق , ص 73.
14- ar.wikipedia.org/wiki/
15-د/فاروق أحمد مصطفي,المناهج الأنثروبولوجية وتطبيقاتها الميدانة ,دار المعرفة الجامعية : الاسكندرية -2008- ص 215.
16-علي صلاح ابو الخير –ثقافة الشباب المصري "قضايا مستقبلية " , سلسلة مطبوعات تصدرمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء –العدد الثاني-نوفمبر 2006. من ص4 : ص16.
