عاش كلاً منهما
يحلم طيلة سنوات عمره بهذه الرحلة ، يدخر لها من
مشاعره واحلامه، وينفق عليها من
نبراس تفاؤله ورصيد طموحاته حتي بات الأمر ممكناً..
ذات نهار.. اعلنت
احدي الصحف عن احد خدماتها وعروضها التاريخية
<< جزيرة
احلام للبيع فيها كل الاحلام متاحة – تمتع في انحاء الجزيرة بشتى المتاجر
والبازارات بكل الاحلام والأماني الممكنة – الرحلة مجانية – كل ما عليك فعله هو
: تحمل مشقة واخطار الرحلة إليها – الدفع سيكون من رصيد احلامكم التابع لبنك
القلوب الدولي ..
اذا كانت احلامك تكفي ستكون الرحلة ملكٌ لك - ملحوظة : الرحلة لفردين فقط >>
- هي : شعرت بفرصة
تدق بابها قد تختصر سنوات طويلة من عمرها كانت قد اعدت نفسها لمواجهتها بمفردها ..
فقالت في نفسها ولما لا اسعي فقد اجد ما يسرني .. وان لم افز فيكفيني شرف المحاولة
المبكرة.
- هو : وجد في
الاعلان صيغة مبالغ فيها ، فلماذا يتحمل المخاطرة والمشقة اذا كان رصيده سيكفي
ليذهب هذه الرحلة .. ثم فكر قليلاً ولما يذهب فالرزق يحب السعي وهو من يتفاني
ويخلص في عمله دوماً .. اذا فأحلامه تستحق المشقة.
- هي : باتت
تؤرقها تلك القصة الغامضة عن اعباء الرحلة وخطورتها فترجع عن قرارها حيناً لأنها
تعلم ان قلبها لم يعد قوياً كما السابق من حياتها فكم ارهقته بجمع ذلك الرصيد
الهائل من الأحلام والامنيات سنوات طويلة .. ولكن حبها للمغامرة ممزوجاً بقوة
إرادتها وثقتها فيما وهبها الله من تعقل وحكمة جعلها تشتاق وتجمع قوتها ولا ترى
حرجاً من الذهاب إلى تلك الرحلة ما دامت سترتاح في النهاية .
ووسط كم هائل من
الراغبين والراغبات كان اعلان النتيجة النهائية لأسماء الفائزان بهذه الرحلة
التاريخية
الكل ينتظر بعيون مترقبة وقلوب متلهفة
الكل ينتظر بعيون مترقبة وقلوب متلهفة
- هو : يقف زائغ
العينين يحدث نفسه قائلا : تُرى لو لم يشاء الله لي الخروج لهذه الرحلة فأين ستكون
الحكمة وما الذي يجب ان اتعلمه لأسعي اكثر واجتهد اكثر في احلامي ؟
- هي : تقف هادئة
لا تحاول أن تُعلق قلبها بالكثير من الآمال في محاولة منها بالرضا بمنح الله
وعطاياه وانه يعلم ويقدر لها الخير دوماً.
تنطلق صفارات
الانذار وينسدل الستار وتضاء الأنوار معلنة خبر فوزهما "هو" و "هي" بالرحلة..
- هي : تسجد لله
شكراً علي ما انعم بها وتعده ان تحافظ علي عطاياه ونعمه .
- هو: يقفز فرحاً وتتهلل أساريره ، يحدث جميع أصحابه مزفاً إليهم الخبر ويسألهم بماذا يحلمون فهو علي اتم استعداد بشراءه لهم كل ما يشتهون فكيف له أن يفرح وحده من دون اهله واحبائه.
انتهت الحفلة وكل
منهما لم يلتق الآخر بعد .. لم يفكرا حتي فيما ذُكر في الاعلان عن شريك الرحلة
وشريك الجزيرة ..
وفي الموعد المحدد
للرحلة ..كان قد إتخذ كل منهما عدته وعتاده ، وتحصن وجمع كل ما يلزمه من ادوات
وذخيرة تمنحه الطاقة وتبث في قلبه الروح وتجدد له شرايين الحياة حينما تشتد عليهما
المحن .
علي رصيف الميناء
المنطلق منه سفينة الاحلام والمنطلقة إلي جزيرتهم جزيرة احلامهم كان موعد اللقاء
الأول..
في البداية تفاجأ
الأثنان بالشريك الآخر ، ولكن قبل ان ينشغل بالهم بالكثير من الوساوس الشيطانية حول
امكانية اتفاقهم سويا من عدمه ان كل منهم قد يحمل شراً للاخر طمعاً وحقداً علي
الآخر ، جاء ساعٍ يحمل رسالة كُتب فيها :
( أيها الفائزان
الكرام تحية طيبة وبعد .. لقد وقع الاختيار عليكما أنتما بالذات دون باقي المرشحين
والمتقدمين لما توسمنا فيكم من قدرة تكميلية لبعضكما البعض والتي سوف تعينكما علي
تحمل اعباء الرحلة بنجاح .. فقط عليكم الثقة في قدرات الشريك الآخر .. الثقة ولا
شيء آخر.. نتمني لكم رحلة ممتعة وأحلام لا منتهي لها )
نظر كل منهما
للآخر بعد ان قرآ سطور الرسالة بعناية وكأنهما لم يتعرفا منذ لحظات ، وترامت خيوط الحديث بينهم لأزمنة عديدة في الماضي والحاضر
وحتي المستقبل وكل منهم علي دهشة واستغراب بدقة الأختيار والتوفيق فيما بينهما .
سارت الرحلة هادئة
حتي ظنّا أن مسألة المغامرة والخطر التي ذكرت في الإعلان كانت مبالغ فيها ليُحكم
من خلالها اصطفاء وانتقاء اصحاب القلوب النقية الصالحة لمثل هذه الجزيرة الخرافية
.
- هي : كانت تحب
البحر وتعشق هدوئه وسكونه كما تعشق امواجه التي طالما رأت انها محاولة من البحر
للبوح بأسراره وخفاياه فيحذر بها عاشقيه وراكبيه فلا يقعوا فريسة له غدرا وبطشاً بسبب
عواصف اعماقه لذا فكانت ما تنصحه بحسن التأمل وجود الاستماع إلي البحر .
- هو : كان لا يحب
الفكير والتنبؤ بالكثير من تلك المشكلات التي قد تواجه رحلتهما وتهدد صفو وهدوء
بالهما .. فما دامت الشمس ساطعة والنسيم محيط بهما فلما القلق الا محاولة اولية
لممارسة مشاعر الموت واستقبال له .. كان مؤمن بأن كل لحظة يجب الاستمتاع بها
والتنفس بها والامتلاء بها الي حد النشوة فهي ما تشحن العواطف فينطلق العقل واعياً
في اوقات المحن .
وكانت
"""هي" تطمئن كثيراً لتفسيره البسيط للامور وتشعر بقوة ثقته وايمانه بأحلامه
.. كانت تجد في رؤيته تلك منتهي العملية وحسن استغلال لسنوات العمر.، اما
"هو" فكان كلما ينظر إلي البحر يقع في قلبه وغزاً خفيفاً يدرك معه انه
تفسيره البسيط لسير للامور قد يوقعه يوماً ما في مشكلة قد لا تجدي البساطة في
مواجهتها .
وفجاة ودون سابق
إنذار.. اشتد موج البحر وهاجت اعماقه وثارت .. فإنزلق كل شيء علي سطح السفينة
وانكسر ، وباغتتهم الرياح وتقطعت علي أثرها الاشرعة التي كانت توجه السفينه
وتقودها.
كانت
"":"""هي" في مؤخرة السفينة ترتب بعض الحقائب ، بينما كان "هو" واقفا يتأمل
ويبحث مع نفسه احوال البحر وقد قرر ولأول مرة ان يستمع لما قد تقوله امواجه
فيتعلم.
وبعد ان ازدادت
طواحين الهواء فتكاً بكل شيء علي السفينة واصبحت السفينة تترنح يمينا ويساراً ،
كان كل منهما عينه علي شريكه في الجانب الأخر من السفينة حتي يتواصلا فيفكرا سوياً
كيف يكون الثبات في هذه المحنة .
وفي سرعة عجيبة
يمتلأ سطح السفينة بالماء وتصبح غرقها وغرقهم معها امرا لا مفر منه ..
وتذكرت
"هي" تلك الوصية في الرسالة التي كانت تقول : (( فقط عليكم الثقة في
قدرات الشريك الآخر .. الثقة ولا شيء آخر))
نادت عليه من طرف
السفينة لتسأله ماذا سنفعل .. وكان هو في نفس اللحظة قد رأي الجزيرة ، يحدث نفسه : لقد انتهت
الرحلة ولا يهم بما انتهت من غرق للسفينة .. فرح جداً لِما رآه ونظر إليها ولم يسمع ما سألته وظل يقفز ويصرخ بكلمات لم تسمعها هي جيدا بسبب اصوات الرياح وتخبطها مع
محتويات السفينة الغارقة.
وكأن هاجساً قد
اتي في مخيلتها انه يصرخ من عجزه عن ايجاد حل لهذه المشكلة وانه لن يجيد التصرف حتي لا تغرق بهما السفينة.
ومن بين صراخه
المتكرر سمعت قوله : (لا مفر من غرق السفينة يجب ألا نقاوم فلا بأس في ذلك) ،
استغربت ذلك القول كثيرا ولم تفهم كيف سيكملا الرحلة بدون سفينة مهما كانت قدرتهم
علي السباحة فائقة فهي لا ترى مثله ان الجزيرة اصبحت امامهم ولا يفصلهم بينها وبينهما سوي الانصياع للعاصفة حتى تمر بسلام.
ونظراً لأن العاصفة حطمت السفينة في دقائق معدودة والغرق احيط
بهم في لحظات فلم تري بدا من الموت ف فأغمضت عيناها واستسلمت للعاصفة بعد ان فقدت ثقتها في شريكها الذي ظل
يصرخ بعيداً عنها في طرف السفينة واختلطت دموعها بموج البحر حتي غابت عن الوعي ...
بينما هو استغرب
صمتها وعدم محاولتها فهم ما يدور في ذهنه وانها اختارت ان تذهب إلي الجزيرة
بمفردها وانها بعد ان رأت الجزيرة اختارت ان تذهب إليها منفردة بدونه وتقطع صلتها بهبمجرد انتهاء الرحلة فهي آخر ما سيجمع بينهم.. حاول ان يثبت عيناه عليها لينظر ماذا
ستفعل ولكن غلبه الموج وغطاه وغطي عيناه حتي فقد الوعي هو الآخر..
هدأت العاصفة
وقذفت بجسديهما علي شواطيء الجزيرة .. استيقظ كل منهم فلم يجد الآخر بجواره فحزن
كثيراً ورغم ظنونه بشريكه ، ظل يبحث كثيراً عنه فلم يجد إلا آثاره..
هنا كان يجلس ،
هنا كان يكتب مذكراته، هنا كان يحاول ان يمرح وينعم، هنا من هذا المتجر اشتري
حلماً جديداً ..
ظلت الظنون تلعب
بأدمغتهم فترة طويلة لدرجة أن امتلأت رأسيهما بفكرة ان كل منهم يهرب من الاخر او ليست
لديه القدرة علي المواجهة ، ولكن لم يملاّ من البحث وتقفي آثار الآخر في محاولة
منهم لفهم ما يجري ويحدث ولكن دون جدوي..
وبعد أن ارهقهم
تفكيرهم توصل كل منهم لنفس الاحساس ونفس القرار وبنفس الدرجة من الحماس وهو أن
يقتسما الجزيرة فيما بينهم فينفرد كل منهم بجزءه ويتحرر من تقفي آثار الآخر !!
وبدأ يدرس ذلك القرار ملياً .. حتي تكونت بدواخل كل منهنما قناعة انه لا جدوي من انتظار امل لا يريد اني يأتي إليه وأن الحياة وحيداً أفضل بكثير من الحياة مع ذكري وأثر يؤلم ويحير.
وكأن القدر يسمعهما ويريد ذلك فإذا به يدبر اللقاء من جديد ، وللمرة الثانية ينبهرا من شدة توافقهما علي قرار تقسيم الجزيرة..
وفي قمة التفاني
والاخلاص كما هي صفة وسمة كلٍ منهم في الوفاء لأحلامه، يتعاونا ثانيةً في بناء سد
حصين بين جزئي الجزيرة المنقسم بينهما ..
وقبل ان يضعا آخر حجر في السد قالا:
- "هي" : تعلمت منكَ كيف أتمتع بوحدتي دون أن أجعلها تؤلمني .
- "هو"
: تعلمت منكِ كيف أكون قوياً رغم وحدتي .
بَنيا السد.. ثم بدأ
كل منهما في ممارسة ووحدته وانفرد بأحلامه....
الاسكندرية 13/3/2013

.jpg)




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق