
اعتادا على التواجد معاً في نفس المكان كل يوم، في نفس الموعد تقريباً كانا يلتقيا وكأن القدر أعلن جمعهم قسراً ليجبرهم على اللقاء
كل يوم كانا يكتشفان شيئاً جديداً بينهما..يجتمعون عليه ويقربهم سوياً ويتسع مجال الحديث ويفترشان أزقة الحياة بمختلف أزمنتها ليرويان قصصهم التي شكلت ماضيهم، ويستهلان من هذه الحكاوي احلامهم المستقبلية، ثم يفترقان على شيءٍ آخر يكتشفاه يوحي لهما ببأس هذا المستقبل إذا قررا بإرادة منهما أن ينقلا اللقاء إلى مكان آخر.
وباتت الأيام تجمعهما وتفرقهما هكذا -وفي نفس المكان- دون أدنى إرادة منهما..كما ظلت تجمعهما وتفرقهما نفس المشاعر التي يصلا إلى ذروتها في اللحظة ذاتها.
بدأ الملل يتسرب إلى قلبها.، فما جدوى هذه الروايات التي تنبش في ىلام الماضي.. وما الجدوى من رواية هذه الاحلام المستقبلية مادام الفراق هو المستقبل كله.
بدا هو الآخر يشعر ببأس الرجاء من هذه اللقاءات وبدأ يمل المكان الذي يجمعهما.
رأت هي ذلك.، بل احسته جلياً ولكن كان شعوراً قويا بالتعلق به وإدمانه ينمو بداخلها يوماً بعد يوم، خاصة وهم يجلسان يتحدثان ويتسامران ويمر من امامهما الغداة والرواحة أشكالاً وألواناً .. أصنافاً وأطيافاً.
هذا الشعور لم يسلم ابداً من مخاوفها القديمة وبدأ شبح الخوف يسيطر على أحلامها وعلى افكارها ولكنه لم يستطع التغلب على شعورها نحوه

قررا أن يظلا هكذا يلتقيا ويفترقا وفقاً لإرادة القدر.. فهم يعلمان مدى المرار الذي سيعانون منه إن قررا مخالفته أو معاندته.
ولكنها بدات تشعر بالبرد والوحشة، أصبح المكان غريب عنها.. وربما عنه، لم تعد المصابيح مضاءة بنفس الزهو والبريق الذي كان ينعكس على عينيه وكلامه كالسابق.
تسلل الحزن رغماً عنهما إلى قلبيهما شيئاً .. ومع ذلك لم يجرأ أياً منهما على البوح.
حاولت هي أن تستجمع قواها وتبادر بتلك الخطوة، لملمت ورودها التي باتت تجمعها طيلة عمرها من كل بستان دُعيت إلى زيارته في ربوع الحياة وصنعت من هذه الباقة عطراً فواحاً ظنت انها تستطيع أن تُسطر به احلى قصائدها..
بعثت بها إليه وأنتظرت أن يأتيها في مكان لقياهما..
انتظرت.. وانتظرت.. فلم يأتِ.
يا الله هل كانت واهمة ؟
هل جنت بفعلتها تلك؟؟
قالت ربما ضلت القصيدة طريقها وسيرجع هنا في هذا المكان من جديد فتعيد غزلها أمامه.
وبالفعل ....عاد،
اقترب منها ملياً وجلس بالجوار
سألته: ماذا بك، قال: لا شيء.
شيئاً ما انطفأ بداخلها، ذهبت حرارة اللقاء الذي كان يدفء قلبها في برد الشتاء..
سكتت.. ولم تشا ان تحرك ساكناً حتى يغادر هو المكان، ولكنه لم يذهب.. وظلت هي الأخرى حبيسة البستان مغلولة الأيدي متحجرة الأطراف.. مثبتة الأعين عليه.، وظل هو يأتي ويذهب، يصول ويجول هنا وهناك، يمر ويفر من امامها..
ومن بعد السكون بدأ البركان يتفجر بداخلها وأصبحت لا تملك أن تخمده.
فكّت قيودها وكسرت اغلالها واعلنت الرحيل عن هذا المكان السقيم.
ومأ ان همت بتكسير حواجز المكان وعقدت النية على الهرب حتى لمحت طيفه، فهدأت ثورات البركان بداخلها سريعاً وقالت: ربما تغلبه الجرأة الآن.

لجأت إلى حيلة بعدما لمحت مخبأً صغيراً، أرادت أن تختبأ منه فلربما تري ملامح الحسرة والندم على وجهه، أرادت ان تحرمه منها فتحرك بواعث الغيرة بداخله.
اتخذت موقعها وأجادت في الاختباء وتركت نافذة ضيقة لتراه من خلالها
هلَّ ولاح في الأفق من جديد امامها.. نظر إلى مكان لقاءهم فلم يجدها.. جلس كعادته، وأدار لها ظهره وكانه يعلم مكان مخبأها..
لم تستطع ان تستشف ملامح وجهه فباتت الحسرة والغيرة والألم تشعل ألسنة البركان من جديد بداخلها.. ولم تلبث إلا ان اكتشفت انها ستظل حبيسة المخبأ إلى الأبد..
فهل سينفجر البركان بداخلها ويكشف عن سر اختباءها ويدمر كل الخضر واليابس بينهما؟
أم سيعود ليرمقها بنظرة جديدة تهدأ من ثورتها وتطيب آلامها وتمزقات قلبها؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق